«حين تضيق الحياة… تظهر معادن الناس».

بقلم / حمدان محمد ابن بكري القاضي المالكي
نعيش نحن البشر حياتنا بين أفراح وأتراح، وبين أيام تفتح لنا أبوابها بالابتسامة، وأيام تثقل قلوبنا بالهموم. تلك هي سنة الحياة؛ فلا فرح يدوم، ولا حزن يبقى، وبين هذا وذاك تتكشف لنا معادن الناس، وتظهر حقيقة العلاقات.
في الأفراح، يكثر الحضور، وتتعدد التهاني، وتتعالى الأصوات بالمباركة، وتجد من يشاركك فرحتك ولو برسالة أو اتصال. وهذا أمر جميل، فالفرح حين يُشارك يصبح أجمل.
لكن السؤال الحقيقي: أين يكون هؤلاء عندما تضيق بك الحياة؟
عندما تفقد عزيزًا، أو تمر بظرف قاسٍ، أو يداهمك المرض، أو تثقل كاهلك المسؤوليات، أو تواجه مشكلة لا تستطيع البوح بتفاصيلها لأحد… هنا تحديدًا تحتاج إلى من يقف بجانبك، لا إلى من يكتفي بمراقبتك من بعيد.
فالإنسان في حزنه لا يحتاج دائمًا إلى المال، ولا يبحث بالضرورة عن حلول لمشكلاته؛ أحيانًا كل ما يحتاجه هو كلمة صادقة، أو اتصال يطمئن عليه، أو شخص يجلس بجانبه ويقول له: أنا معك، ولن أتركك وحدك.
وهنا تتجلى قيمة المواساة والدعم النفسي والمعنوي، فربما كلمة بسيطة في وقتها ترفع عن قلب إنسان حملًا ثقيلًا، وربما وقفة صادقة في لحظة ضعف تبقى في ذاكرته سنوات طويلة.
ومما يؤسف له أن بعض الناس يتجاهلون أحزان الآخرين، ولا يسألون عنهم في أوقات الشدة، ثم يغضبون إذا لم يجدوا منهم الحضور والمشاركة عندما تأتي أفراحهم.
وهنا أقول: وقفتك مع الإنسان في أحزانه ووقت حاجته، أعظم بكثير من وقفتك معه في ليالي أفراحه.
فالفرح يستطيع الإنسان أن يحتفل به حتى لو كان وحده، أما الحزن، ففيه يحتاج إلى كتف يستند إليه، وقلب يشعر به، وإنسان يطمئنه بأن الدنيا ما زالت بخير.
ولا ينبغي لأحد أن يتخيل أن حياته ستبقى أفراحًا متواصلة، فصوادف الحياة لا تستأذن أحدًا؛ وفاة قد تأتي بغتة، حادث يقلب الموازين، مرض يغير تفاصيل الأيام، أو ظرف خاص يجعل الإنسان في أمسّ الحاجة إلى من حوله.
ولذلك، لا تنتظر أن يقع قريبك أو صديقك في مصيبة حتى تعرف قيمة الوقوف معه. كن حاضرًا قبل أن يُطلب منك الحضور، واسأل قبل أن يُقال لك: لماذا لم تسأل؟
فالحياة دوارة، وما تقدمه اليوم للآخرين قد تحتاجه غدًا أنت.
اجبروا الخواطر، واسألوا عن أحبابكم، وكونوا قريبين ممن أثقلتهم الحياة، فربما لا تعلمون حجم المعركة التي يخوضها شخص يبتسم أمامكم وهو يحمل في داخله ما لا يستطيع حمله.
وفي النهاية، ليست كثرة الحضور في الأفراح هي التي تثبت المحبة، وإنما الوقفة الصادقة عندما ينفض الجميع، وتبقى أنت إلى جواره.
فهناك أشخاص لا ننسى مواقفهم أبدًا، ليس لأنهم شاركونا أفراحنا، وإنما لأنهم وقفوا معنا عندما كنا في أشد حالاتنا انكسارًا.
تلك هي المواقف التي تُحفظ في القلب… وتلك هي معادن الرجال.

